الآلوسي

149

تفسير الآلوسي

فشريعة الدين من ذلك من حيث يرد الناس منها أمر الله تعالى ورحمته والقرب منه عز وجل ، وقال الراغب : الشرع مصدر ثم جعل اسما للطريق النهج فقيل له شرع وشرعة وشريعة واستعير ذلك للطريقة الإلهية من الدين ثم قال : قال بعضهم سميت الشريعة شريعة تشبيها بشريعة الماء من حيث أن من شرع فيها على الحقيقة والصدق روي وتطهر ، وأعني بالري ما قال بعض الحكماء : كنت أشرب فلا أروى فلما عرفت الله تعالى رويت بلا شرب ، وبالتطهر ما قال عز وجل : * ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) * والظاهر هنا المعنى اللغوي ، والتنوين للتعظيم أي شريعة عظيمة الشأن * ( منَ الأَمْر ) * أي أمر الدين ، وجوز أبو حيان كونه مصدر أمر ، والمراد من الأمر والنهي وهو كما ترى * ( فَاتَّبعْهَا وَلاَ تَتَّبعْ أَهْوَاءَ الَّذينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) * أي آراء الجهال التابعة للشهوات ، والمراد بهم ما يعم كل ضال ، وقيل : هم جهال قريظة . والنضير ، وقيل : رؤساء قريش كانوا يقولون له صلى الله عليه وسلم : ارجع إلى دين آبائك . * ( إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ واللَّهُ وَلِىُّ الْمُتَّقِينَ ) * . * ( إنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ منَ الله شَيْئاً ) * من الأشياء أو شيئاً من الأغناء ان اتبعتهم والجملة مستأنفة مبينة لعلة النهي * ( وَإنَّ الظَّالمينَ بَعْضُهُمْ أَوْليَاءُ بَعْض ) * لا يواليهم ولا يتبع أهواءهم إلا من كان ظالماً مثلهم . * ( واللَّهُ وَليُّ المُتَّقينَ ) * الذين أنت قدوتهم فدم على ما أنت عليه من توليه سبحانه خاصة والاعراض عما سواه عز وجل بالكلية . * ( هَاذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) * . * ( هَاذَا ) * أي القرآن * ( بَصَائرُ للنَّاس ) * فإن ما فيه من معالم الدين وشعائر الشرائع بمنزلة البصائر في القلوب ، وقيل : الإشارة إلى اتباع الشريعة والكلام من باب التشبيه البليغ ، وجمع الخبر على الوجهين باعتبار تعدد ما تضمنه المبتدأ واتباع مصدر مضاف فيعم ويخبر عنه بمتعدد أيضاً ، وقرئ * ( هذه ) * أي الآيات ) * * ( وَهُدًى ) * جليل من ورطة الضلالة * ( وَرَحْمَةٌ ) * عظيمة * ( لقَوْم يُوقنُونَ ) * من شأنهم الإيقان بالأمور . * ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَ‍اتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ) * . * ( أَمْ حَسبَ الَّذينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات ) * ( الجاثية : 21 ) إلى آخره استئناف مسوق لبيان حال المسيئين والمحسنين إثر بيان حال الظالمين والمتقين ، و * ( أم ) * منقطعة وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني ، والهمزة لإنكار الحسبان على معنى أنه لا يليق ولا ينبغي لظهور خلافه ، والاجتراح الاكتساب ومنه الجارحة للأعضاء التي يكتسب بها كالأيدي ، وجاء هو جارحة أهله أي كاسبهم ، وقال الراغب : الاجتراح اكتساب الاثم وأصله من الجراحة كما أن الاقتراف من قرف القرحة ، والظاهر تفسيره ههنا بالاكتساب لمكان * ( السيئات ) * والمراد بها على ما في البحر سيئات الكفر ، وقوله تعالى : * ( أَنْ نَجْعَلَهُمْ ) * ساد مسد مفعولي الحسبان ، والجعل بمعنى التصيير وهم مفعوله الأول ، وقوله سبحانه : * ( كعالَّذينَ ءَامَنُوا وَعَملُوا الصَّالحَات ) * مفعوله الثاني ، وقوله عز وجل : * ( سَوَاءً ) * بدل من الكاف بناء على أنها اسم بمعنى مثل ، وقوله تعالى : * ( مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ) * فاعل سواء أجرى مجرى مستوٍ كما قالوا : مررت برجل سواء هو والعدم ، وضمير الجمع للمجترحين ، والمعنى على إنكار حسبان جعل محبا المجترحين ومماتهم مستويين مثلهما للمؤمنين ، ومصب الإنكار استواء ذلك فإن المؤمنين تتوافق حالاهم لأنهم مرحومون في المحيا والممات وأولئك تتضاد حالا هم فإنهم مرحومون حياة لا موتاً ؛ وجوز أن يكون * ( سواء ) * حالاً من الضمير في الكاف بناء على ما سمعت من معناها .